تقديم

فلا يحسب القارئ ما في صحائفنا فارغين انكتب، فلو اطلع على صفائحنا منذ حين لاستغرب، وإنما زاد الله قوته في ضعف الكاتب، وحبب إلينا الكتابة عند المصاعب، فكان اليراع لنا خير مؤنس ومصاحب، إذا جرى  طربنا لإعرابه، وإذا ألهم انتشينا لانسيابه

وسخر لنا سبحانه، من الأصحاب رفقة صالحين، وجدناهم عند الرزايا والأوصاب، ردا واقفين، ألحوا علينا في الكتابة والتقييد، وحرضونا على الجد والتجديد، سدوا خصاصنا وقضوا حوائجنا، وكانوا مناصنا، وصوبوا ارتجاجنا، وأدركوا سمو ما قصدنا إليه، وحملوا معنا هما دللناهم عليه، فكانوا لنا إخوة صادقين، وكنا لهم فتنة في الدنيا والدين، فاللهم ارحمنا بهم وارحمهم بنا أجمعين، واغفر لنا وإياهم ما اجترحته أيدينا غافلين، واقبل منا ومنهم حسنات وفقتنا إليها يوم البعث، واكتبنا في الناجين، إليك توجهنا، ووجهك قصدنا، وعليك عولنا، فكن لنا خير ناصر ومعين

وما خضنا فيه في هذا المؤلف مع الخائضين، وجاريناهم في أحزابهم وصلواتهم ومخاطباتهم وتائياتهم، ونادمناهم في أذواقهم، وسامرناهم في مواجيدهم وإشاراتهم، وما أدلينا في الكلام بدلونا عن الأحوال والمقامات، وما صلنا مع الصائلين وجلنا مع الجائلين، سوى تأدبا مع الأعراف التي أجمع عليها علماء الذوق والسلوك، وأرباب التأدب في حضرات مالك الملوك

وإلا فلا تحتاج معرفة الواحد الأحد لكل هذه المتاهات، ولا يحتاج مريد طريق القوم لأن يصول في رحاب هذه الميادين، ويكابد جل هذه المنازلات، ويقرأ الدواوين، وإنما هي المحجة البيضاء، أوضح من نار على علم، لو استفتيت قلبك، لأغناك عن مطالعة صحائفي، ولو رجعت إلى نفسك، لاستغنيت عن معاقرة سوافحي

ولو كتبنا ما نراه أحق بالكتابة، ما جاوزنا بضع صحائف، ولكن دأب الناس، بما ألفوا من عادات العارفين في كتبهم، وما حفظوا من أصول الطريق، على ألا يقبلوا كلاما لا يخوض فيما خاضوا، وألا يأتوا ما لم يأت ما أتوا، ففعلنا ما أرادوا حتى يفعلوا ما أردنا، وما أردنا، أن يكون ما خضنا وما أتينا، داعيا للقراءة، ومعينا على الفهم. ففي ثنايا ما خضنا، بثتنا من بضع صحائف سطورا، وفي خشاش ما أتينا زرعنا زهورا، وهي لب الكتاب وروحه، وإلا فلا روح بغير جسد، ولو أن أحياء دبت على غير هدى، وغابت أرواحها سدى، فما قرأته في كتابنا وفهمته بعقلك، إنما هو من خوضنا وإتياننا، وما قرأته وضاعت أنسامه الفياحة بنور الرحمة والسلوان على قلبك، فذاك من روحنا

فاعقل من الأحكام ما كتب، وافهم من الأمثال ما عذب، واشرب من الأنسام ما هب

ولعل آخر الزمان ما نحن في آخره، وقد أصاب الأمة ما جرت في أن يصيبها

فتفرقت في الدين، وجعلته شيعا، كل فرقة اتخذت نصيبها

وفلت شوكة المسلمين، وتداعت عليها الأمم تنتهك خصبها وخصيبها

ونسيت عهود العنفوان والتمكين، يوم أعزها الله، وأذلت من الأمم ندها وضريبها

وفقدت النخوة، ولم تعد تحس بالذل والمهانة، مهما استباح الأعادي حبيبها وقريبها

فالله الله في قوم تشتتوا شيعا، ودينهم يدعوا إلى التوحد والتوحيد

والله الله في قوم تقاعسوا عن نصرة أنفسهم، وهم أهل البأس الشديد

والله الله في علماء تملقوا على أبواب العطاء، يبيعون دينهم بأبخس الأثمان، على موائد البغاة في مأدبات البهتان، باسم الاجتهاد والتجديد

فأنى لنا بيقين قوم مضى زمانهم، وأنى لنا بحكمة وأخلاق قوم فات أوانهم؟

نديم الأنخاب في ليل بلا قمر

كيف يحلو السهر؟

نديمي

وقد غاب زرياب

وانتحب الوتر.11 من قصيدة: زرياب ديوان لأويس هذه المزامير للمؤلف

أفحسبتم أيها الناس أنه بتحقيق رغباتكم وتطبيق مبادئكم دون رجوع إلى دستور القرآن، تبلغون المقصود وتحيون حياة طيبة؟ لا والله لا يكون ذلك، كيف والحبيب محمد ه يقول: "لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم؟"

أفحسبتم إذا ما نزعتم حاكمية الله تعالى في الأرض، وحكمتم بأهوائكم أنكم تفلحون؟

لا، والله لا يستقر لكم قرار، في أرض اغتصبتموها وحاكمية ربانية أحبطتموها

فاللهم اقبضنا إليك قبل الفضيحة، ولا تشهدنا قوما لا يتناصحون ولا يقبلون النصيحة، ولا تزد في أعمارنا ما نعيشه في الفتن القبيحة، وإذا أبقيتنا مليا، فليكن في بقائنا خير لنا وللناس أجمعين

مؤلفات الشيخ أبي الفتح الجعفي الشاذلي المغربي عفا الله عنه

إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين

تواصل معنا